أحلام صغيرة تحت قماش الخيام

أحلام صغيرة تحت قماش الخيام

الجانب الخفيّ من حياة النساء في المخيمات

الصحفية:رؤى زيدان

“تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع “تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات” بالشراكة بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و حكاية ما انحكت بإشراف الصحفية آلاء محمد.”

“نفسي روح ألعب بشي نادي رياضة، أتحرك وأسمع أحاديث غير اللي بنحكيها بين بعضنا بالمخيم” تقول سميرة (٣٥ عام، أم لأربعة أطفال) التي تعيش في مخيم البل في ريف مدينة أعزاز في شمال البلاد منذ ما يقارب خمس سنوات. تشكو سميرة قسوة الحياة في المخيم، إضافة إلى فقدان الخصوصية والمساحات الآمنة للنساء حيث “لا راحة ولا أمان”.عادة، وفي التغطيات الإعلاميّة، لا يبدو الأمر على أنّه مشكلة حقيقية، إذ تحاكي هذه التغطيات معاناة المُهجرين والمهجرات في المخيمات، وفقر الحال وصعوبة المعيشة وضعف سبل الحياة، دون أن يتم الحديث، إلّا نادراً، عن فقدان نساء المخيمات خصوصيتهن.

تحت قماش الخيام

يبدو حديث النساء في مخيمات شمال غرب سوريا عن أجسادهن ومساحاتهن أقرب للحلم؛ مثلاً أن يكن قادرات على مراقبة أجسادهن والتأكد من صحتهن ولياقتهن مثل النساء اللواتي يظهرن على شاشات الهواتف المحمولة وفي التلفاز، أمنيتهن أن يمتلكن الرفاهية للحديث عن وجبات غذاء صحية أو جو معيشي آمن بعيداً عن حياتهن التي لا تقدم لهن الحد الأدنى من الخصوصية، فيهمسن بدل أن يتحدثن، ويحلمن بدل أن يفعلن.

أخبرتنا نساء قابلناهن أنهن يخفن من الخوض في هذه الأحاديث حتى لا يتعرضن للسخرية والاستهزاء من سكان المخيم، وخصوصاً من الرجال الذين يمتلكون أولويات مختلفة عن النساء، ولأن احتياجات النساء ورغباتهن ومتطلباتهن لا تعتبر أولوية، لذا تفضل النساء معايشة رغباتهن وأمنياتهن في خيالهن فقط.

“عندما أرفض تناول وجبة ما من الطعام حتى لا أسمن، أو أقترح على جاراتي في المخيم أن نمارس الرياضة وأتحدث عن أمنياتي بأن يكون لدينا نادي في المخيم أتعرّض للسخرية، ويستهزئون بي وبأفكاري التي من وحي الخيال حسب وصفهم، ويضحكون كأنّني ألقيت عليهم نكتة.” تقول سميرة.

تحكي لنا نور (٢٧ سنة وتعيش في مخيم البل) عن حالتها وحالة صديقاتها في المخيم: “غالبيتنا أمهات، أوزاننا  فوق ٨٥ كغ، دائماً نزور الأطباء بسبب وجع الركب والضغط والسكري، أنا أعاني من الغدد ومثلي كثيرات، صديقتي تعاني من الديسك ولم يقبل الطبيب إجراء عمل جراحي لها حتى تُنزل وزنها، لم تستطع لأنّ طبيعة الطعام المتوفر لا يناسب الحمية الغذائية، وأيضاً لا توجد مساحات للمشي وممارسة الرياضة، أصيبت صديقتي بانضغاط الأعصاب، ولم تعد تستطيع المشي، وهي شبه مشلولة اليوم”.

في المخيمات لا توجد مساحات للمرأة خارج خيمتها كي تمارس هواياتها، وفي حال وجدت تلك المساحات، فإنّها تحتاج إلى تجهيزات لوجستية كاملة، لتتمكن من ممارسة الرياضة مثلًا أو غيرها من الهوايات التي تساعد الناس عادة في الحفاظ على لياقتهم البدنية، وكذلك صحتهم النفسية.

زرعت رهف (٣٣ عام، تعيش في مخيم تل الضمان في منطقة ترمانين) في المساحة الفارغة بجانب خيمتها مجموعة وروداً، تحبّ أن تتأملها عند شربها فنجان القهوة، هذا يجعل نفسيتها أفضل، حسب تعبيرها. رهف أرملة وأم لأربعة أطفال، وهذه هي مساحتها الحرّة الوحيدة التي تمتلكها، “متر بنص متر” تقول لنا.

لا خصوصية 

على كل سيدة داخل خيمتها أن تبقى طوال يومها مستعدة وبكامل جاهزيتها مرتدية حجابها وملابسها الساترة كأنها “جندي يرتدي بزته العسكرية ويحمل سلاحه وينتظر أوامر قائده ليخوض المعركة”، لأنّه وفي أيّة لحظة يمكن أن يدخل أحد ما أو يمر شخص من أمام خيمتها، مما يجعل فكرة خصوصية المرأة في المخيمات فكرة خارج إطار المكان، حسب مشاهداتنا، وحسب ما قالت لنا نساء التقينا بهن.

“نسينا إنه على راسنا شعر لازم نمشطه ونعتني فيه، لأن مجرد ما تتفرفدي (تجلسين بحريّة) لازم تحسبي حساب إنك مكشوفة عالجيران” تحكي لنا فاطمة، إحدى ساكنات مخيم البل، تضيف أنّه من الصعب اجتماع عدد من النساء بحرية في خيمة واحدة، حيث يفصل بين الخيمة والأخرى في معظم الأحيان متر واحد فقط، “إذا بدنا نعمل جلسة نشرب فنجان قهوة أنا وصديقات أول شي بقلن إياه من عالباب وطي صوتك”.

تؤكد سميرة أن العيش في الخيمة يعني فقدان متع الحياة البسيطة بالنسبة للمرأة، تقول بحسرة: “أشتاق لرؤية شعري يتدلى طوال اليوم وأن أمشطه باطمئنان المدة التي أحب، أو حتى أن أزيل حجابي عن رأسي على الأقل ساعتين متواصلتين وأن أرتدي ملابس صيفية بنصف كم، وأن أشعر بالاطمئنان ولكن كيف ذلك والخيمة تكشف كل حركة أقوم بها، حتى أنني لا أستطيع التمدد أو أخذ قيلولة، دائما أجلس باستعداد لدخول أي شخص إلى خيمتي وكأن أحد ما يراقب تحركاتي طوال اليوم”. تقول سيمرة إنها لا تستطيع أن ترفع صوتها أثناء حديثها، لأنّ باستطاعة الجيران سماع كلّ الأحاديث العائلية، وبالتأكيد ستكون سميرة وعائلتها سيرة المخيم بأكمله لعدة أيام. ترد فاطمة ساخرة على كلام سميرة: “الأنوثة تبكي بالزاوية”.

معجزة النظافة

تعيش سميرة حياة قاسية داخل المخيم، تعاني من بُعد خزان المياه المخصص للمخيم، وخاصة في فصل الشتاء عندما تغسل ملابس عائلتها، عليها أن تخوض معركة الغوص في حفر الطين حتى تملأ كفايتها من الماء وبعد الانتهاء من الغسيل تجلس مراقبة الثياب التي نشرتها خارج الخيمة والتي تحتاج عدة أيام حتى تجف، لذلك لا يستحم أولادها إلا مرة واحدة كل أسبوعين بالصابون في حال توفره، وخلال هذه المدة لن يبدلوا ملابسهم حتى لا تكون كمية الغسيل أكثر وبالمقابل ساعات العمل أطول.

تصف سميرة نفسها بأنها الأم والأب، لذلك تواجه العديد من الصعوبات في تأمين المياه ومستلزمات المنزل من منظفات ومواد غذائية وتعاني مثل باقي سكان المخيمات من عدم وجود دورات مياه خاصة، كل شيء مشترك فقط الاستحمام في ركن داخل الخيمة. تقول إنّ المنظمات “لا توزع سلل منظفات، ولا قدرة لنا على شراء كافة الاحتياجات لذلك نستخدم الأشياء التقليدية ولا تكون النظافة والتعقيم كما يجب”.

تحكي سحر، وهي أم لأربعة أطفال، عن ركن الاستحمام، وهو المرفق الوحيد المتوفر ضمن الخيمة، لكن “ضمن الخيمة باب للحمام ما في، ابني بدو يتحمم باخد بناتي منطلع من الخيمة لنعطيه مجال” وهكذا يتم الأمر في كل مرة.

تتشارك سحر مع عدد كبير من النساء معاناة الفطريات المنتشرة،”كنساء، كلّه عندو شكاية من الفطريات بالجسم وأغلبه حسب تشخيص الطبيبة بسبب الرطوبة”، حيث لا يتسنى للنساء فرصة نشر ثيابهن الداخلية وتعريضها للشمس فتنشر داخل الخيمة، أما على حبل الغسيل الخارجي فتنشر ثياب الرجال والأطفال وبعض القطع الخارجية أحياناً.

احتياجات النساء ليست أولوية

في كل مخيم هناك مدير/ة يشرف عليه، يستعرض مشاكله ويطالب بخدمات من المنظمات والجهات المسؤولة لتحسين أوضاع السكان وتأمين الإحتياجات الأساسيّة، هذا عدا عن عرض حالات المرضى على الإعلام بهدف إيجاد علاج لهم في مستشفيات الداخل أو سماح الطرف التركي بنقلهم إلى مشافيه، وأيضاً محاولات جذب الفرق التطوعية للقيام بتوعية ونشاطات لفئات محددة من السكان لمساعدتهم في حل مشكلاتهم وتعليمهم بعض المهارات.

أم أحمد مشرفة إحدى مخيمات ريف إدلب، وهي من المخيمات النادرة التي تديرها نساء، أخبرتنا أنها دائماً تطلق مناشدات من خلال عملها لكافة المنظمات العاملة في الشمال السوري خاصة تلك التي تدعم النساء سواء مادياً أو معنوياً من أجل تأمين مشاريع تخدم نساء المخيم. تقول أم أحمد إنّ “المنظمات لا تقدم للسيدات أي مهارات خاصة بهن داخل المخيم، بل تقدم جلسات توعية وأحياناً بعض التدريبات حسب سياسة المنظمة الداعمة وما تريده بعيداً عن الاحتياجات”.

يوجد داخل مخيم أم أحمد خيمة كبيرة للأنشطة ولكنها تحتاج لتجهيزات لوجستية وفريق مختص يقوم بالنشاطات التي تناسب احتياجات النساء في المخيم. حسب أم أحمد فإنّ “المرأة التي تعيش حياة طبيعية تحتاج لدعم متواصل، فكيف يكون حال نساء الشمال السوري اللواتي عشن ظروف الحرب وذل العيش داخل خيمة، وزاد الطين بلة زلزال السادس من شباط، لذلك زادت احتياجات النساء للعلاج النفسي أولاً وأصبح من الضروري خروجهن للترفيه والقيام برحلات بعيداً عن أجواء المخيمات، بالإضافة لجلسات تعارف مع نساء أخريات والاستماع لقصصهن مما ينمي حس الإبداع والرغبة بالعمل وافتتاح كل سيدة مع شبيهاتها مشاريع صغيرة خاصة بهن تساعدهن مادياً ونفسياً”.

حلول غير قابلة للتطبيق 

حسب اخصائية التغذية بيان حيدر فإنّ التوتر والخوف والقلق الذي تواجهه نساء المخيمات وعدم الراحة والاستقرار والمشاكل الخارجية جميعها تؤدي “لخلل هرموني ينتج عنه مرض السكري واضطراب الغدة الدرقية نتيجة التوتر والخوف، لذلك يجب الابتعاد عن الانفعالات للحفاظ على صحة الجسم بشكل عام والوزن بشكل خاص لأن أغلب أمراض السكري والغدة تكون نتيجة المشاكل أو ارتفاع التوتر”.

تؤكد بيان على أهمية القيام بنشاط بدني لحوالي ١٥٠ دقيقة  في الأسبوع، وتقترح زراعة الخضراوات والورقيات في حال توفرت مساحات زراعية، إضافة إلى مراقبة العلامات الحيوية للجسم، والانتباه إلى الأعراض مثل التعب وشحوب الوجه وجفاف الجلد والإمساك والإسهال وتساقط الشعر وزيادة الوزن بشكل ملحوظ، عندها يجب زيارة المراكز الطبية التي غالباً ما تكون مجانية، للقيام بالتحاليل المناسبة ومعرفة سبب الخلل أو النقص ومعالجته.

توضّح في هذا الصدّد الأخصائية الاجتماعية وضحة العثمان أن نساء المخيمات يعشن فترة قاسية، “ففي السابق كان متاحاً لهن الكثير من الأنشطة لكن ابتعادهم عن بيوتهم بسبب النزوح والتهجير غيبت عنهم هذه الأنشطة إضافة إلى فقدانهن الاستقلالية والخصوصية”.

تعتبر وضحة وجود مثل هذه الأماكن الترفيهية مهمة وضرورية ليس فقط للترفيه عن النفس، بل هي احتياجات حقيقية لتستطيع المرأة أن تكمل حياتها بشكل طبيعي، “وحتى تشعر أن هناك شيء يخدمها نفسياً وجسدياً لتستمر في حياتها المليئة بالصعوبات والتحديات، ولتتمكن من شحن نفسها بالطاقة الإيجابية من خلال لقائها مع أشخاص جدد، وإحساسها أنها تقدم شيء لجسدها وذاتها”. تؤكد وضحة، أنه يجب على إدارة كل مخيم أن تسعى لإيجاد مساحات للنساء سواء كانت نوادي رياضية أو كافيهات ثقافية وغيرها، لما لهذه الأماكن من أثر إيجابي على حياتهن مع مراعاة المستوى الثقافي لهن.

أحلام صغيرة

تحلم سميرة بأشياء بسيطة عندما تفكر بالاحتياجات الغائبة عنها وعن أطفالها، مثلاً “مساحة صغيرة يلعب الأطفال فيها تكون نظيفة وخالية من الحجارة وحفر الطين المليئة بالماء، إضافة لوجود كادر طبي صغير داخل المخيم يقوم بالإسعافات الأولية اللازمة للأطفال، وأن توزع المنظمات سلل منتجات نظافة شخصية للمرأة، وأن تقدم أيضاً للنساء الأرامل سلة غذائية صحية”. تتمنى سميرة لو أمكنها المشي على جهاز مشي، لعدم وجود مساحة كافية في المخيم وفي حال توفرت يملؤها الغبار في الصيف، والطين والماء في الشتاء.

تقول سلمى مديرة مركز “مساحة آمنة” في أحد مخيمات الشمال، إنّ بيئة المخيم والعوامل الجوية والمعيشية لا تسمح بوجود نوادي رياضية ولا وسائل ترفيهية لعدم توفر المساحة الكافية ولكثرة وجود المخيمات.

تكتفي سميرة بمتابعة مدربات الرياضة واليوغا على الإنترنت دون أن تمارسها كما كانت تفعل سابقاً في منزلها بسبب ضيق المكان في الخيمة وعدم توفر الخصوصية حتى ضمن أفراد الخيمة الواحدة.

“العائق الأكبر هو المجتمع وتنمره عليّ في حال فقط التطرق لهذا الحديث، وانتقادهم لهذه الفكرة كوننا داخل مخيم واتهامهم لي بأني أم غير صالحة تترك اولادها وتذهب لتهتم بنفسها”.

………………………………………………………………………..شارك/ي المقالة……………………………………………………………………………


Comments are closed.