وصمة المجتمع ونقص العلاج

وصمة المجتمع ونقص العلاج

عن الأمراض النفسيّة في إدلب.

الصحفية: سونيا العلي

“تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع “تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات” بالشراكة بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و حكاية ما انحكت بإشراف الصحفية زينة بيطار.”

“فقدت عقلها داخل السجن” عبارة تتردد باستمرار على مسامع الشابة براءة الحجي منذ خروجها من المعتقل، ووقوعها فريسة الاضطرابات النفسية، حتى أصبحت تفضل الوحدة والعزلة عن الآخرين “اجتمع علي المرض ووصمة المجتمع، الأمر الذي زاد حالتي سوءاً وتدهوراً”.

تُقدِّر منظمة الصحة العالمية أن سورياً/ة واحداً/ة من بين كل ثلاثين سورياً/ة يعانون من حالات نفسية وخيمة، من قبيل الاكتئاب الحاد أو الذُّهان أو أي شكل مُسبِّب للإعاقة من أشكال القلق، وأن شخصاً واحداً من بين كل خمسة سوريين/ات يعاني من حالات نفسية متوسطة إلى معتدلة، من قبيل الاكتئاب المتوسط إلى المعتدل أو الاضطرابات الناجمة عن القلق.

يقول لنا المختص بالصحة النفسية أحمد عرفات عن أسباب شيوع الأمراض النفسية: “لوحظ في الآونة الأخيرة ازدياد كبير بأعداد المرضى النفسيين بسبب ظروف الحرب، وما تلاها من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية، فضلاً عن التهجير القسري وفقدان الأمان خلال سنوات الحرب والصعوبات المعيشية وتفكك الروابط الاجتماعية نتيجة التهجير والموت”. 

كما اعتبر عرفات أنّ بيئة الحروب والكوراث تعطي مجالاً لظهور اضطرابات ومشاكل نفسية، وزعزعة عافية الفرد العقلية جراء التعرض لصدمة أو لضغط عصبي، مثل فقدان شخص عزيز، أو التعرض للتنمر والإساءة، أو الصعوبات المالية، “كما أن ملازمة الشخص لأحد المرضى النفسيين لفترات طويلة قد يكون سبباً في إصابته بالمرض، بالإضافة إلى استمرار الواقع المفروض الذي يزيد من هول الضغوط النفسية على الإنسان، لتتحول تلك الضغوطات إلى مشاكل واضطرابات ثم إلى أمراض نفسية عند توافقها بالمدة ومعايير التشخيص المرضي”.

البحث عن علاج

براءة الحجي (٢٩ عاماً) نازحة من مدينة معرة النعمان جنوبي إدلب إلى بلدة قاح الحدودية مع تركيا، لا تزال تعاني من الأوهام والكوابيس، وتتخيل الجلاد يلاحقها في كل مكان ممسكاً العصا التي كان يضربها بها أثناء التحقيق معها. تقول إنّها وبعد خروجها من المعتقل بدأت معاناتها مع الضغوطات النفسيّة، “دون أن أجد سبيلاً للعلاج أو دعماً من أفراد أسرتي، لذا آثرت التكتم على مأساتي خوفاً من المجتمع الذي يتهمني بالجنون، ويشعرني أن حالتي ميؤوس منها”.

تُبيّن الحجي أنها اعتُقلت بداية عام ٢٠١٩ أثناء ذهابها إلى مدينة حماة، وتعرضت داخل المعتقل لكافة أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وتم إطلاق سراحها بعد حوالي سنة ونصف قضتها داخل السجن، وعن ذلك تقول بصوت مرتجف وعينين دامعتين: “كنت أعتقد أن نجاتي ستكون بمجرد خروجي من وراء القضبان، ولكني كنت مخطئة تماماً، حيث بدأت معاناة جديدة لا تقل قسوة وإيلاماً، ومضيت أحمل آثار آلامي الجسدية والنفسية، فأصبحت كثيرة البكاء، أخاف من الأصوات المرتفعة، وحتى أثناء نومي تلاحقني الكوابيس”.

تؤكد الحجي أنها زارت مركز الرعاية الصحية الأولية الموجود في منطقتها للحصول على علاج دون جدوى، فيما تواصل البحث عن أحد المختصين بالأمراض النفسية للعلاج من مرضها النفسي.

مواد مخدرة

عماد ح. (٢٥ عاماً) نازح من ريف مدينة حماة إلى بلدة في شمالي إدلب، أدمن على المواد المخدرة، بسبب مرضه النفسي، حسب والدته التي قالت إنّ ابنها “ترك المدرسة منذ بداية الحرب السورية بدافع العمل والإنفاق علينا بعد وفاة والده، وبقي دون هدف في الحياة، كما سعى للسفر إلى خارج البلاد كما فعل معظم أصدقائه، لكن أحلامه اصطدمت بحاجز الفقر والعجز عن دفع التكاليف، لذا وقع بحالة اكتئاب حاد، وأراد الابتعاد عن الواقع من خلال شراء الحبوب المخدرة، وبعد فترة وجيزة أصبح مدمناً عليها ومنبوذ اجتماعياً وأسرياً”. 

تؤكد أم عماد أن ولدها قد أصبح منفصلاً عن الواقع، مصاباً بنقص التركيز، علاوة على نقص في الشهية، والاكتئاب المستمرّ، وأصبح جلّ تفكيره كيفيّة تأمين ثمن الحبوب المخدرة.

عن الفئات الأكثرعرضة للأمراض النفسية يؤكد المختص بالصحة النفسية أحمد عرفات أن أكثر الناس تعرضاً للأمراض والاضطرابات النفسية هم أصحاب الإعاقات أو الناجين من الاعتقال أو من فقدوا ذويهم، محذراً من مخاطر العلاج الخاطئ الذي يلجأ إليه بعض المرضى بتعاطي المخدرات، مما يزيد من تفاقم المرض ويؤدي إلى الإدمان .

انتحار

تعاني سهى  (اسم مستعار، ٢٠ عاماً) من مدينة معرة مصرين بريف إدلب الشمالي من اكتئاب نفسي حاد، بعد إصابتها بالحرب وانفصالها عن زوجها وحرمانها من طفلها الوحيد، فبدأت أفكار الانتحار تتسلل الى نفسها: “أجبرني والدي على ترك المدرسة والزواج في سن الرابعة عشرة، وبعد الزواج أُصبت بشظية قذيفة أدت لبتر قدمي اليسرى، فتغيرت معاملة زوجي لي وقرر الانفصال عني، بعد أن كنت قد حملت بطفلي الأول، وبعد ولادته أخذه زوجي عنوة وحرمني من رؤيته، بحجة أنني عاجزة وغير قادرة على رعايته والإنفاق عليه”.

تبين سهى أن حياتها انتهت قبل أن تبدأ، فقد وجدت نفسها معاقة ومطلقة ومدانة من المجتمع، وأرادت أن تنهي ذلك كله من خلال محاولة الانتحار مرتين، بتناول جرعات كبيرة من الدواء، وفي كل مرة كان أهلها يكتشفون أمرها ويقومون بإسعافها .

تشير سهى أن والدها اصطحبها إلى أحد السحرة في المنطقة، ظناً منه أن ما ألم بها هو نتيجة سحر أو مس من الجن، فقام بتقييدها وضربها بحجة إخراج الجن من جسدها، إلا أن حالتها ازدادت سوءاً، فنصحتها إحدى قريباتها باللجوء إلى طبيبة نفسية عبر الإنترنت، فتحسنت حالتها بعض الشيء، دون أن تصل إلى التعافي النفسي بشكل كامل، حسب تعبيرها.

في هذا السياق، فقد سجّل فريق “منسقو استجابة سوريا” في مناطق شمال غربي سوريا منذ مطلع عام ٢٠٢٣ وحتى الخامس من حزيران الماضي حوالي ٣٣ حالةً، ما بين انتحار ومحاولة انتحار، أدت إلى موت ٢٦ شخصاً، بينهم تسعة أطفال وعشر نساء.

مركز وحيد للعلاج 

يعتبر عرفات أن المراكز المتخصصة بعلاج الأمراض النفسية في مناطق شمال غربي سوريا قليلة جداً وغير كافية، لتغطية الحاجة وتقديم التدخل المناسب وتقديم العلاج الذي تقتضيه حالة كل شخص مع قلة في عدد الكوادر المتخصصة المدربة على البرامج العلاجية المناسبة، والأطباء النفسيين وأطباء رأب الفجوة.

تعتبر مستشفى الأمراض النفسية في مدينة سرمدا شمالي إدلب، المركز الوحيد المختص بعلاج الحالات النفسية الحادة ومتابعتها في مناطق شمال غربي سوريا. يقول المدير الإداري للمستشفى حسام شلاش إنّ المركز يحتوي على وحدة الاستشفاء الداخلية والعيادات الخارجية والعيادات المتنقلة.

أوضح شلاش أن القدرة الاستيعابية لوحدة الاستشفاء الداخلية هي عشرين سريراً، وقد تستمر مدة إقامة المريض فيها لثلاثة أسابيع كحد أقصى، ويتم القبول فيها وفق معايير محددة للمرضى الذين يعانون من نوبات ذهانية حادة، أو اضطراب اكتئابي مع خطورة انتحارية، أو المرضى المصابين باضطراب ثنائي القطب وغيرهم، بينما تستقبل العيادة الخارجية مرضاها بدوام يومي من الساعة التاسعة صباحاً حتى الثانية ظهراً، وتضم طبيباً نفسياً إضافة لصيدلية وداعمين نفسيين للتداخلات غير الدوائية.

أضاف شلاش أن عيادتين متنقلتين للأمراض النفسية تنطلقان من المركز يومياً لزيارة أماكن التجمعات والنزوح، والأماكن صعبة الوصول والبعيدة عن دار الاستشفاء التي تفتقر إلى خدمات الطب النفسي، وتضم طبيباً نفسياً وعاملين في الدعم النفسي وعاملين في الصحة المجتمعية، لتقديم المعاينة والتوعية النفسية للمرضى، إلى جانب فريق مختص بتقديم الاستشارات النفسية عبر الهاتف، مكون من مرشدين نفسيين، إضافة للخط الساخن للاستجابة لحالات الانتحار.

الأطفال ليسوا بمنأى 

أكثر الأمراض النفسية شيوعاً بحسب أحمد عرفات هي اضطرابات القلق والخوف والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، فضلاً عن اضطراب ما بعد الصدمة عند الأطفال والبالغين.

ما تزال صورة أم الطفل أسعد (اسم مستعار، ثمان سنوات، يقيم في مدينة حارم شمالي إدلب) وأخويه الذين فارقوا الحياة خلال زلزال شباط ٢٠٢٣ راسخة في ذاكرته. يقول أبو أسعد إنّها قد نجا من الموت مع ابنه بأعجوبة بعد انهيار منزلهم بفعل الزلزال، “فيما فقدنا أمه وإخوته تحت الأنقاض”.

يشير والده إلى أن أسعد قد وقع، ومنذ يوم الزلزال، ضحية للاضطرابات النفسية، “يلازمه الحزن ومنفصل تماماً عن الواقع، كثير الشرود، ويرفض التحدث مع الآخرين واللعب مع رفاقه أو حتى الذهاب إلى المدرسة، كما يصاب بنوبات رعب وهلع، ويستيقظ على الصراخ والبكاء”، الأمر الذي دفع والده لطلب دواء مهدئ من أحد الصيادلة، “تحسنت حالته قليلاً لبعض الوقت، ثم عاد من جديد إلى حالته السابقة”.

وصمة مجتمعيّة

“كان زوجي إنسان طيب ملتزم بعمله ويحاول جاهداً أن يوفر جميع احتياجاتي مع أولادنا الثلاثة، لكنه فجأة تحول إلى إنسان آخر مختلف كلياً” هكذا بدأت نجاح البرق (٣١ عاماً) النازحة من مدينة سراقب في ريف إدلب الجنوبي إلى مدينة معرة مصرين شمالي إدلب حديثها عن زوجها ومعاناتها من تعنيفه لها بشكل مستمر. تضيف موضحة: “كان زوجي يعمل في مقلع للحجارة، ورغم صعوبة العمل إلا أنه كان سعيداً وراضياً به، وذات يوم تعرض لحادث سير أصابه بكسور في قدميه”. بقي الزوج في طور العلاج لثلاثة أشهر وحين أراد العودة للعمل تفاجأ بأن صاحب المقلع قام بطرده، ومنذ ذلك الوقت تعاني الأسرة الفقر وضنك العيش، فتغيرت طباع الزوج بشكل كامل، وصار عصبي المزاج ويعنف زوجته وأبناءه باستمرار دون رحمة.

تقول البرق إنّ أحوال زوجها النفسية ساءت بشكل كبير في الآونة الأخيرة، حتى أصبحت عاجزة عن التفاهم معه، وعندما طلبت منه مراجعة طبيب نفسي، عنفها بشدة، وأخذ يصرخ في وجهها مردداً عبارة “أنا لست مجنوناً لأراجع طبيباً نفسياً”.

تتحدّت المختصة بالإرشاد النفسي عبير السلوم (٣٤ عاماً) عن الوصمة المجتمعية التي تواجه المرضى النفسيين: “وصمة العار الاجتماعية هي جميع السلوكيات والتصرّفات العنصرية ضدّ أشخاص يعانون من مشاكل نفسية، وتتمثل في إلصاق العلامات السلبية عليهم وتصنيفهم على أنهم أقل كفاءة وهذا يؤدي إلى تجريحهم وإساءة التعامل معهم في المجتمع”.

تؤكد السلوم على أن المرض النفسي ليس عيباً بل مثله مثل أيّ مرض جسدي قد يصيب الإنسان، لذا يجب تسليط الضوء على الأهمية الكبيرة للصحة النفسية كحق أساسي من حقوق الإنسان لا يقل أهمية عن الصحة البدنية.

تقول المادة الأولى من المبدأ الأول من مبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين العناية بالصحة العقلية لدى الأمم المتحدة، إنّ جميع الأشخاص يتمتعون بحق “الحصول على أفضل ما هو متاح من رعاية الصحة العقلية التي تشكل جزءاً من نظام الرعاية الصحية والاجتماعية، ويعامل جميع الأشخاص المصابين بمرض عقلي أو الذين يعالجون بهذه الصفة معاملة إنسانية مع احترام ما للإنسان من كرامة أصيلة”.

تردف السلوم: “يتعين علينا أن نشرع في رفع مستوى الوعي وتفكيك الوصمة المتأصلة المرتبطة بالمرض النفسي ومحاربتها من خلال الاجتماعات والنشاطات المختلفة التي قد تساعد المصابين أنفسهم لتقبّل إصابتهم بالمرض النفسي واتخاذ القرار الحاسم بالحصول على العلاج المناسب والالتزام به.”


Comments are closed.