سلاماً أيّها الماء

سلاماً أيّها الماء

الصحفية: نبيهة طه

“تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع “تمكين الجيل القادم من الصحفيات السوريات” بالشراكة بين مؤسسة شبكة الصحفيات السوريات و حكاية ما انحكت بإشراف الصحفية لمى راجح.”

أثناء حديثنا مع جمانة (اسم مستعار، أم لخمسة أطفال) ضمن مخيم الحياة الجديدة في مدينة الباب، أخرجت أدويتها وهي تتحدث عن إصابتها بسرطان الثدي، كما تحدثت عن مشكلاتها الصحيّة في الكلى، حيث لاحظت منذ وصولها إلى المخيم تفاقماً في حالتها الصحية بسبب نقص المياه والاعتماد على المياه الملوثة خلال حياتها اليوميّة.

يعد نقص المياه في مناطق شمال غرب سوريا من أكثر التحديات التي تواجه سكان المنطقة، بما في ذلك أهالي المخيمات، ويمثل تهديداً مباشراً لحياتهم/ن. تقول جمانة إنّها تعاني من مشكلات صحيّة نتيجة نقص المياه “حيث نضطر لاستخدام المياه المتاحة في المخيم، وغالباً ما تكون ملوثة غير صالحة للشرب. لا أستطيع الوقوف على قدمي بسبب المرض ولا يوجد لدي حل آخر سوى شرب هذه المياه واستخدامها للاستحمام والطهي، نقص المياه يؤثر على صحتي وصحة عائلتي  بشكل كبير”.

أما يمنى (اسم مستعار) التي تعيش مع عائلتها في مخيم بلدة بزاعة شرق مدينة الباب، بعد تهجيرهم/ن من مسقط رأسهم/ن بلدة معرة النعمان في ريف إدلب بسبب القصف المستمر من قبل النظام السوري، فتحكي عن نقص المياه قائلة إنّه “وبالرغم من كل الصعوبات التي نحاول التغلب عليها لكن نقص المياه سيء جداً،  فأنا رغم صغر سني (١٧ سنة) أواجه أمراضاً نسائية مختلفة، حتى بشرتي وشعري قد أصبحوا بحالة سيئة بسبب تلوث المياه المتوفرة لدينا”. 

وفقاً لتقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، فإنّ: “النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر لأزمة المياه والصرف الصحي، وتقع على النساء والفتيات مسؤولية جلب المياه في سبع من أصل عشر عائلات تفتقر إلى إمدادات المياه، وفقاً لأول تحليل متعمق لأوجه عدم المساواة بين الجنسين وإمدادات مياه الشرب والصرف الصحي والنظافة الصحية في المنازل”. 

عدم توفر أيّ خدمات للمياه الصحية النظيفة التي يحتاجها الأهالي بما في ذلك سكان المخيم، يعيّن عليهم جلب المياه النظيفة بسعر مرتفع، إذ يبلغ ثمن غالون الماء الواحد ٢٥ ليرة تركية بسعة خمسة لتر فقط، بحيث أنّه لا يكفي ليوم واحد، ويتم شرائه من المحال التجارية. لكن ليس بإمكان الجميع تحمل نفقات الثمن المرتفع لكي يحصلوا/ن على المياه النظيفة، فالوضع الاقتصادي الصعب يحد من قدرة الكثيرين/ات على تحمل تكاليف المياه النظيفة نتيجة ضعف الدخل وصعوبة الحصول على فرص عمل مستدامة، بالرغم من تلقي بعضهم/ن المساعدات، إلا أن هذه المساعدات قد لا تكون كافية لتلبية احتياجاتهم/ن اليومية من المياه النظيفة.

في هذا الصدد تقول جمانة: “أنا مريضة وبحاجة المياه النقية الموجودة في السوبر ماركت، تلك التي يتم الحصول عليها من خارج المدينة أو من معامل ضمن المدينة، وهي المياه التي لا أستطيع شراءها بسبب الظروف التي نعيش فيها في المخيم”.

جمانة ليست الوحيدة التي تواجه مشكلات صحية نتيجة عدم توفر مياه صالحة للشرب والاستخدام، فهناك نحو ٣٥٠ ألف نسمة من سكان المدينة، من ضمنهم النازحين/ات، وذلك وفقاً لإحصائيات المجلس المحلي في مدينة الباب، والتي حصلنا عليها بشكل مباشر من خلال التواصل مع رئيس مجلس المحلي، الذي أكد لنا خلال مقابلتنا له على مجموعة تحديات صحية ونفسية يواجهها سكان المدينة نتيجة نقص المياه في المدينة.

في هذا السياق تشير الطبيبة نور، وهي طبيبة عامة في سوريا، عن العلاقة بين نقص المياه وتأثيرها على النساء، قائلة إنّ “هذه المياه تسبب العديد منّ الأمراض مثل التهاب الكبد الوبائي والزحار ناهيكم عن الإسهالات والجفاف وأيضاً داء الكوليرا الذي يتنشر بشدة عند استخدام مياه غير نظيفة، بالإضافة للالتهابات المعوية الشائعة والحمى التيفية التي تسببها الايكولاي الموجودة ضمن المياه الغير صالحة للشرب”. أوضحت نور أنّ الالتهابات النسائية لا تتسبّب بشرب المياه بشكل مباشر بل عند استخدامها للاستحمام. 

تعتبر هذه الأمراض خطيرة ومهددة للحياة خاصة على النساء الحوامل واللواتي يعانين من نقص المناعة، ما قد يؤدي للإجهاض لدى بعض النساء في الثلث الأول من الحمل. وأردفت الطبيبة بالقول إنّ “الحل الحقيقي لمواجهة هذه المشكلة هي تأمين مياه صالحة للشرب لضمان حياة مستقرة للنساء وللمجتمع بشكل عام، وفي حال لم يتم تأمينها يجب تقطير المياه بشكل جيد وهذا حل إسعافي فقط، إذ أن المياه التي يتم غليها تفقد العناصر والمعادن الأساسية التي يحتاجها الجسم”. 

تعمل القابلة النسائية كوكب فارس في عيادات متنقلة مع جمعية الأمل لمكافحة السرطان، ما يجعلها شاهدة على التحديات الصحية التي تواجهها العديد من النساء، بالإضافة لتجربتها الميدانية في متابعة حالاتهن داخل المخيمات، وهذا يشمل الحالات التي نجمت عن نقص المياه واستخدام المياه الملوثة، تقول لنا إنّ احتكاكها المباشر مع النساء وحالاتهن الصحيّة الناتجة عن نقص المياه واستخدام المياه الملوثة، يشكّل مصدر قلق لدى أهالي المخيمات، “فالشكوى تأتي من جميع أهالي المدينة سواء في المخيمات أو خارجها بسبب هذه الأمراض التي تنتج عن تلوث المياه، وبدورنا عاملين/ات في الشأن الصحي نحاول إرشادهم/ن إلى الطرق الصحيحة لاستعمال المياه”، وتعدّد فارس الأمراض التي عاينتها بسبب تلوّث المياه: “التهابات بكتيرية ونسائية عامة والتهابات بولية وتراكم الرمل في الكلى، بالإضافة إلى التهابات وحالات الحمى التيفية والتهابات في المعدة والأمعاء وأخطرها التهاب الكبد”.

رحلة البحث عن مياه نظيفة في ظل التحديات 

ليس فقط نقص المياه النظيفة وعدم توفرها هو ما يؤثر بشكل جلي على العديد من النساء والفتيات سيما في مخيمات النزوح، بل يترافق ذلك مع مشاكل أخرى ناجمة عن سعي العديد منهن للحصول عليها، كتعرض البعض لحالات العنف القائم على النوع الاجتماعي كالتحرّش، وذلك أثناء اضطرارهن للذهاب إلى المرافق الصحية بهدف جلب المياه. وفي هذا السياق أكد ذات التقرير المشترك الصادر عن منظمة الصحة العالمية واليونيسيف، إلى أن النساء والفتيات أقل عرضة للشعور بالأمان عند استخدامهن المرحاض خارج المنزل ويعانين بشكل غير متناسب من أثر انعدام النظافة الصحية، ويبيّن التقرير أيضاً أن أكثر من نصف مليار شخص ما زالوا/ن يتشاركون/ن مرافق الصرف الصحي مع أُسر أخرى، مما يعرض خصوصية النساء والفتيات وكرامتهن وسلامتهن للخطر. فعلى سبيل المثال، تُظهر مسوحٌ أُجريت مؤخراً في اثنين وعشرين بلداً أن النساء والفتيات في الأُسر التي لديها مراحيض مشتركة أكثر عرضة من الرجال والفتيان للشعور بعدم الأمان عند مشيهن بمفردهن في الليل، ومواجهة التحرش الجنسي وغيره من المخاطر المتصلة بالسلامة.

تعبر يمنى عن الوضع الذي تعيشه داخل المخيم وسعيها في الحصول على المياه النظيفة قائلة: “أعيش مع عائلتي ضمن خيمة صغيرة، أحب أن أهتم بنظافتي الشخصية وشعري وأن أستحم بهناء، أقضي حاجتي دون الخوف من التعرض للتحرش.” 

تؤكد القابلة النسائية كوكب فارس على أن النساء يعشن في حالة خوف من الذهاب إلى الحمام في الليل وذهابهن في وقت متأخر قد يعرضهن للتحرش الجنسي، حيث تسهم المسافة البعيدة بين الحمامات والخيم وغياب النظافة الجيدة في زيادة المشاكل لدى العديد من النساء حسب ملاحظتها بتواجدها معهن، يتضمن ذلك انتقال الأمراض والبكتيريا كون الحمامات مشتركة وغير مُخدّمة، وتصبح الأمور أكثر تعقيداً ليلاً حيث تخشى النساء الذهاب إلى الحمامات، ويجبرن على الانتظار حتى الصباح تجنباً لتعرضهن للتحرش الجنسي، ولكن بسبب الضغوط المجتمعية لا يتم الإبلاغ عنها.

التحديات البيئية وتأثير نقص المياه على البيئة 

توجد العديد من الأسباب التي أدت لانخفاض مستوى منسوب المياه وانقطاعها عن مناطق شمال غرب سوريا، وذلك حسب الخبيرة في مجال النوع الاجتماعي والجندر والمهتمة بالسياق البيئي هبة محمد. 

عملت هبة على إعداد أطروحة جامعيّة تحمل عنوان “المياه والتنمية: تقاطعات النوع الاجتماعي وعودة اللاجئين في مناطق النزاع في شمال شرق سوريا” وهو بحث في مجال التنمية والنوع الاجتماعي، يتناول موضوع نقص المياه في شمال شرق سوريا وتأثير عودة اللاجئين/ات على النساء.

لاحظت هبة أن منسوب مستوى نهر الفرات يمكن أن يتغير حسب تشغيل السدود في تركيا وخاصة بسبب المشروع التركي “الكامب” الذي يهدف إلى إنشاء سدود جنوب شرق تركيا، هذه السدود تؤدي إلى انخفاض تدفق المياه إلى سوريا والعراق.

تشير هبة إلى أن مناطق شمال غرب سوريا تأثرت بشكل أكبر بسبب الصراع والقصف والنزوح، بالإضافة إلى ذلك، يعد التغير المناخي في شمال غرب سوريا سبباً أساسياً لشح المياه، هذا الانخفاض في منسوب المياه له تأثيرات بيئية كبيرة مثل انتشار التصحر وزيادة حالات الجفاف. وتؤكد على أن الحلول في الوقت الحالي شبه مستحيلة وتحتاج إلى اتفاقيات دولية وسياسية بالإضافة إلى اتفاقيات وطنية ومجتمعية. 

وفي سياق حماية النساء والفتيات وكيفية توفير حلول ملائمة لهن تقول هبة إنّ “الحلول مختلفة حسب حاجات النساء، وإن المياه التي تجلبها المنظمات العاملة في المنطقة ليتم توزيعها على السكان لا تتضمن وجود نساء من ذوي الاحتياجات الخاصة أو نساء نازحات من غير منطقة ولا يعرفن كيفية الحصول على المياه، دون أن ننسى العادات المجتمعية التي تحد من تحركات النساء”. 

تؤكد الناشطة السياسية وعضوة في الأمانة العامة في الحركة السياسية النسوية السورية رويدة كنعان على ضمان مشاركة النساء بفعالية في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة المياه وتخطيط استخدامها على جميع المستويات (المحلية والوطنية والإقليمية) من أجل تعزيز حقوق النساء في الحصول على المياه النظيفة، وعلى أن يتم تقديم برامج توعية حول حقوق الأهالي المتعلقة بالمياه، والعمل على تقديم حلول لتقريب مصادر المياه من منازل الناس وخصوصاً في المناطق النائية حتى لا تضطر النساء لقطع مسافات طويلة لجلب المياه، وتشجيع توظيف النساء في مشروعات المياه والصرف الصحي وإدارة الموارد المائية.

تقول كنعان: “لا يوجد مسؤول واحد عن نقص المياه، فهي مسؤولية الحكومات من خلال سياسات إدارة المياه والبنية التحتية والاستثمار في مشروعات المياه، والقطاع الخاص من خلال استخدام المياه في الصناعات والزراعة وضمان استخدام مستدام وفعال”. 

مظاهرات ومساعي لحل الأزمة

تعمل الجهات المحلية بالتعاون مع المنظمات الإنسانية على مشاريع لاستجرار المياه البديلة، حيث تم حفر عدة آبار، لكن هذه المشاريع مؤقتة وتواجه تحديات بالغة بما في ذلك ارتفاع تكاليف نقل المياه. وأوضح مدير البرامج في منظمة شفق، أحمد الشيخ، أن مصادر المياه يتم استجرارها من مجموعة من الآبار المحيطة بالمنطقة، بحيث يتم تحليلها ومعرفة مدى صلاحيتها للشرب ومن ثم يتم توزيعها على المخيمات شمال غرب سوريا، بالإضافة لوجود آبار خاصة بالتعاون مع مزود المياه بهدف استجرار المياه منها.

يقول الشيخ أنّ التحديات التي يواجهونها في شمال غرب سوريا، “وهي منطقة شحيحة المياه وغزارتها قليلة جداً”، تتمحور هو خروج بعض الآبار عن العمل بسبب التلوث والجفاف، “وخاصة مع عدم وجود مصادر بديلة لإيصال المياه للسكان”.

وكان المجلس المحلي قد أصدر بيانًا صحفيًا ناشد فيه المنظمات المحلية والدولية بضرورة التدخل العاجل لإيجاد حلول دائمة لهذه المشكلة، ودعا السكان إلى التظاهر والتعبير عن غضبهم/ن واستيائهم/ن إزاء نقص المياه في المدينة، فخرج العديد من السكان إلى الشوارع للمطالبة بالعمل الفوري لحل أزمة المياه، لتأتي هذه المظاهرات كجزء من جهود مستمرة لجذب الانتباه إلى هذه المشكلة والتضامن مع السكان المتأثرين/ات.

من جهته قال مسؤول المجلس المحلي في مدينة الباب هيثم الزين الشهابي: “نحن نواجه نقص المياه بشكل كبير وذلك بسبب قطع المياه من قبل نظام السوري من محطة عين البيضا عن مدينة الباب”. وأشار إلى قيامهم/ن بعدة خطوات إسعافية من حفر آبار ارتوازية، بحيث يتم عن طريق حفر هذه الآبار نقل المياه إلى المنازل والمخيمات في المدينة، وهذا الإجراء هو إسعافي لا أكثر، لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة حسب تعبيره.

كما أكد الشهابي وجود مجموعة حلول مطروحة من أجل تأمين المياه للمدينة، منها استجرار المياه من نهر الفرات، “وهذا المشروع تمت دراسته وإعداده، لكنه لم يتم تلقي أي دعم ولا أي حل حقيقي من أجل تأمين المياه”، حسب قوله.

لنقص المياه أوجه أخرى تؤثر على النساء

تعيش سوسن (30 عاماً وأم لسبعة أطفال) ضمن منزل إيواء مؤقت ضمن مخيم الحياة الجديدة في مدينة الباب وتعمل في مجال الزراعة. تظهر علامات التشقق والتعب على يديها، نتيجة عملها في الزراعة، وترى أن نقص المياه يزيد من صعوبة عملها، حيث يجعل الأمور أكثر تعقيداً ويضطرها إلى بذل مزيد من الجهد لتلبية احتياجات عائلتها.

تقول إنّها تعمل مع بعض النساء بسقاية الزيتون وتنظيف الأراضي المحيطة بالأشجار وقطف الزيتون، “وأيضاً لدينا موسم الرمان والبطاطا والباذنجان، لكن المواسم أصبحت منذ ست سنوات تقريباً ضعيفة بسبب عدم توفر المياه وقد جفت المياه أيضاً في أغلب الآبار”. 

تأكد سوسن على أن المياه هي الحاجة الرئيسية في حياتها وخاصة في الزراعة، لكنها تواجه شحاً في المياه، مما يؤثر على المحاصيل وإمكانية توفير الطعام لعائلتها عدا عن الأمراض التي تصيبها كل فترة من التهابات جلدية وأمراض في المعدة، وهذه الأمراض سببت لها  أزمة نفسية حسب تعبيرها. “تخيل أن ترى صحتك تتدهور ومحاصيلك تجف ولا يبقى لك سوى علبة دواء لا يوجد لديكِ ثمنها، الحياة صعبة جداً ولا أحد ينظر كيف نعيش؟ ماذا نفعل ؟ كيف نأكل؟.. نحن نقوم بجهود كبيرة من أجل الزراعة  والعناية بالنباتات لكن دون جدوى وعملنا بات يفشل” تقول سوسن. 


Comments are closed.