أصوات نسائية من “الدفاع المدني السوري”.. خط الاستجابة الأول في شمال سوريا

أصوات نسائية من “الدفاع المدني السوري”.. خط الاستجابة الأول في شمال سوريا

“خرجنا من المنزل بصعوبة، لم أتخيل حجم الكارثة في البداية، حاولت الاتصال بغرفة عمليات الدفاع المدني لكن شبكة الاتصالات كانت مقطوعة، كان علي ترك والدتي المريضة والتوجه للاستجابة، وفي السابعة والنصف صباحاً كنت في أقرب غرفة عمليات للدفاع للمساعدة في عمليات البحث والإنقاذ”. 

هذا ما قالته سريا، إحدى متطوعات الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) المشاركات في الاستجابة يداً بيد مع زملائهن المتطوعين خلال كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب أربع محافظات سورية وجنوبي تركيا في 6 من شباط الماضي. 

سريا تمر، وخديجة محمد خطيب، مسعفتان تعملان مع الخوذ البيضاء منذ أكثر من سبع سنوات،  وكعشرات المتطوعات، شاركتا في الاستجابة لمختلف أنواع الكوارث التي تعيشها مناطق الشمال السوري باستمرار، كتفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)، لكن حضورهن تعزز أيام الزلزال الذي بذلت به فرق الإنقاذ والإغاثة جهودًا متواصلة في سباق مع الزمن، لإنقاذ الأرواح، رغم قلة المعدات. 

خديجة ما زالت تتذكر الكارثة بكل وضوح، قائلةً: “أذكر صدمتي في اللحظات الأولى، وكأنه كان هناك شخصيتين مني، الأولى مصدومة وخائفة والأخرى تسارع للمساعدة، لا أعلم أي شخصية سيطرت في النهاية، لكني بذلت ما بوسعي للتغلب على مخاوفي حينها”.

عمل متطوعو ومتطوعات الدفاع المدني خلال الأيام الأولى للزلزال على مدار الساعة دون توقف، وفي ظروف مناخية قاسية، بالتزامن مع هطول الثلج حينها، وأكدت المتطوعتان أنه لم يكن هناك أي مجال للاستراحة، فرغم إتاحة بعض الوقت ليستعيد المتطوعون والمتطوعات الطاقة المفقودة، لكن رغبة ملحة بالمتابعة كانت تتغلب على الميل للراحة. 

“كنت أفكر دائماً أن هناك أشخاص تحت الأنقاض ينتظرون يداً تمتد لانتشالهم، هناك من يحتاج مساعدتنا”.

وفي حديث خاص مع رائد الصالح، مدير منظمة الدفاع المدني السوري، أوضح أن المتطوعات كنّ على الخطوط الأولى منذ لحظة وقوع الكارثة، وأن استجابتهن أحدثت فارقاً، سواء في البحث والإنقاذ، أو تقديم الرعاية للناجين والناجيات والمصابين والمصابات ضمن خطة استجابة خاصة بمراكز صحة النساء والأسرة. 

وأشار الصالح إلى أن خطة الاستجابة الخاصة بمراكز صحة النساء والأسرة والتي شاركت فيها المتطوعات بشكل رئيسي قسمت على أربع مراحل، هي البحث والإنقاذ، والإسعاف، ومرحلة الرعاية الصحية والنفسية في مراكز إيواء المتضررين والمتضررات والمنكوبين و المنكوبات، والمرحلة الأخيرة كانت الرعاية الخاصة للأمهات وكبار السن والأطفال، حيث برز دور المتطوعات بتقديم الرعاية الطبية والدعم الاجتماعي والنفسي، بحسب قوله. الأمر الذي خفف من الأعباء في الحصول على الخدمات الصحية بعد الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية لمناطق شمال غربي سوريا. 

جنباً إلى جنب في كل استجابة

لم يكن زلزال السادس من شباط الكارثة الوحيدة التي شاركت فيها متطوعات الدفاع المدني فخلال سنوات متعاقبة شاركت المتطوعات في التعامل مع أمراض وأوبئة (كورونا والكوليرا)، وحوادث، وهجمات لم تسلم منها حتى مواقع الدفاع المدني. 

ولا يقتصر عمل المتطوعات على الإسعاف والإحالة للمستشفيات فقط، بل يتعداه إلى الرعاية الصحية المنزلية وجولات الرعاية في المخيمات، وتقديم الرعاية الصحية والإنجابية للنساء في فترة الحمل وبعد الولادة، ومتابعة مرضى القصور الكلوي، والكشف المبكر عن سرطان الثدي.  

كما تعمل المتطوعات في التوعية والتثقيف الصحي لرفع مستوى الوعي لدى المدنيين والمدنيات حول قضايا ذات أهمية كالأمراض المتفشية والطرق الأنسب للتعامل مع الكوارث والهجمات في حال حدوثها. وتشغل بعض المتطوعات أدوارًا في العمل الإداري بمختلف مستوياته، التنظيمية والتنفيذية.

في صيف عام 2022، انضمت متطوعات الخوذ البيضاء لفرق الذخائر غير المنفجرة (uxo) ويعملن حالياً ضمن فرق المسح ويجري تدريبهن للانخراط في فرق الإزالة مستقبلًا. 

وحول عدد المتطوعات الإجمالي في المنظمة ونسبتهن المقارنة بعدد المتطوعين قال رائد الصالح إن عدد المتطوعات مرتبط بالخدمات المقدمة والاحتياجات المترتبة عليها، ففي بعض الحالات تشكل المتطوعات نسبة 100% من العاملين في خدمة معينة فيما يشكل الرجال نسبة  100%  من خدمات أخرى، بالإضافة لبعض الخدمات المشتركة بين الجنسين، حيث أن المشاركة ليست مبنية على أساس الجنس أو النوع الاجتماعي،  وإنما على أساس الكفاءات والاحتياجات.

 “المنظمة تعمل باستمرار على تمكين المتطوعات من خلال التدريبات والدورات المتقدمة لزيادة خبراتهن التي ستنعكس على جودة الخدمات التي يقدمنها، كما أن التدريبات المقدمة لا تعتمد على الجندر بل على نوع الأعمال والمهام”. 

                                                                                         رائد الصالح- مدير منظمة “الدفاع المدني السوري”

وأضاف أن هناك أعمال ترتكز على المتطوعات كالتوعية والدعم النفسي تكون النساء خلالها أقرب للحالات والمستفيدين والمستفيدات من الأطفال والأمهات، إضافةً لحالات الإصابات والأمراض النسائية التي توكل للمتطوعات مراعاة لأعراف المجتمع والخصوصية. 

وحول عدم مشاركة النساء في بعض جوانب العمل، عزى الصالح ذلك إلى عدم وجود كفاءات تغطي هذه الجوانب كالإنقاذ المائي والإطفاء، لافتًا لوجود خطط مستقبلية قريبة لتدريب وتأهيل كوادر من المتطوعات للمشاركة في تلك المهام. 

وبالنسبة للأدوات والتجهيزات المقدمة للمتطوعات، بيّنت خديجة أن اللباس والتجهيز الميداني يختلف بحسب المهمة مشيرة لوجود ألبسة واقية لكل حالة واستجابة، كحالات مكافحة العدوى، والاستجابة للأزمات والكوارث.

وعن تحضيرهن للعمل في صفوف الخوذ البيضاء قالت سريا إن هناك تدريبات دورية يتلقاها  أعضاء الفرق من نساء ورجال، في الإسعافات الأولية، وإدارة الكوارث والأزمات، وضبط العدوى، والدعم النفسي وغيرها. 

في عيون المجتمع

سريا طالبة جامعية، وخديجة أم لطفلة صغيرة، وكل منهما تقضي كثيرًا من وقتها في العمل الإنساني والإغاثي، الذي يمنحهن شعورًا بالقيمة والمعنى، وفق تعبيرهن رغم مواجهتهن انتقادات ورفض لأسباب متعددة، حيث أن عمل النساء في الإنقاذ والإغاثة لم يكن مقبولاً اجتماعيًا في البداية.”العمل في الدفاع المدني يعتبر خطراً وشاقاً فهو خط استجابة، وكانت النظرة السائدة في البداية أن هذا العمل للرجال”، توضح خديجة، معبرةَ أن عائلتها رفضت عملها في البداية لخوفهم عليها لكنهم/ن مع مرور الوقت تحولوا إلى مشجعين ومشجعات لاستمرارها في العمل، “عند حدوث الزلزال كانت ردة فعل لعائلتي هي دفعي للإسراع والذهاب لعملي للإسهام في إنقاذ العالقين والعالقات تحت الركام”، أضافت تعبيرًا عن حالتها التي تنطبق أيضًا على سريا. 

مصطفى زهير السيد، مهجر مقيم في معرة النعمان، وأحد الناجين من الزلزال، بعد إنقاذه من تحت الأنقاض من قبل فرق الدفاع المدني، إذ خرج من تحت الركام حيًا بعد 38 ساعة من الزلزال، وكان شاهداً على عمل المتطوعات في الصفوف الأمامية، قال إن “عمل المتطوعات في الدفاع المدني كان مهماً جداً إذ شاركن في إنقاذ الكثير من النساء ورعاية الأطفال وهذا يراعي قيم وعادات مجتمعنا، ما قدمته المتطوعات كان إنجازاً مفرحاً وعظيماً، فأنا كرجل أرى أنه كما يجب أن يكون هناك طبيبة امرأة نحن بحاجة لمتطوعات نساء”. 

وفي وقت كتابة هذه المادة، تسرع خديجة وسريا ومتطوعات ومتطوعو “الدفاع المدني السوري” للاستجابة للقصف الذي تتعرض له مناطق شمال غربي سوريا، لمحاولة إنقاذ ما يمكن لهم إنقاذه. 

                                                                                                                                                                  نايا نور – صحفية ومترجمة

أصوات نسائية من الدفاع المدني السوري.. خط الاستجابة الأول في شمال سوريا - الصحفية والمترجمة نايا نور

 


Comments are closed.